علم النفس المعرفي هو أحد فروع علم النفس، وبرغم حداثة نشأته نسبيًا إلا أنه قد تطور سريعًا ليصبح من أهم فروع علم النفس. فهو يختص بفهم العمليات العقلية، مثل التعلم، مهارات تعلم اللغة، الذاكرة و النسيان، الإدراك والانتباه، الكلام والتخاطب، حل المشكلات،...إلخ، وهو بذلك يلتقي مع فروع وعلوم أخرى مثل تلك المتعلقة بالأعصاب، واللغويات، والفلسفة.
وتعتبر الركيزة الأساسية لعلم النفس المعرفي، هي كيفية تلقي المعلومة، والعمليات العقلية التي تتم عليها، إدراكها- المعلومة- وكيفية حفظها في الذاكرة، مما يعطي الفرصة للعديد من التطبيقات المختلفة. مثل كيفية تحسين قدرات الذاكرة، آلية اتخاذ القرار، و بناء المناهج التعليمية لتعزيز عملية التعلُّم.
ومن أهم ما يميز علم النفس المعرفي أنه يتبع المنهج العلمي في البحث، ويرفض أسلوب نظرية الاستبطان Introspection كأسلوب لجمع المعلومات، حيث أنه يتفق مع مدارس علم النفس الأخرى في رفض هذا الأسلوب لأنه غير موضوعي، ولا يمكن تعميمه أو الاعتماد عليه لتجميع المعلومات، كما يختلف عن الأسلوب الفرويدي في التحليل النفسي عن طريق تفسير الرموز التي ترِد في الأحلام، ولكنه- علم النفس المعرفي- على الرغم من ذلك يعترف بالحالات الذهنية الداخلية. كالإيمان، الرغبة، الدوافع...إلخ، وهو الأمر الذي بُنيت عليه الانتقادات الموجهة إليه، حيث يُعتقد أنه منهج متناقض من حيث اتباعه للأسلوب التجريبي في البحث، مع تقبله للعمليات الذهنية الداخلية التي لا يمكن قياسها، وبالرغم من ذلك فإن العلم قريب الصلة (علم الأعصاب الإدراكي cognitive neuroscience)، قد أثبت وجود العمليات الذهنية الداخلية مما دعم الفرضية القائم عليها العلم، وهو علم أكاديمي يهتم بالدراسة العلمية للركائز البيولوجية التي تقوم عليها العمليات المعرفية.
وكان هناك دور واضح للفلاسفة أيضًا في تطور علم النفس المعرفي كما كان هناك دور واضح لهم في نشوء علم النفس العام. حيث شغل العقل والعمليات الذهنية المختلفة الكثير من الفلاسفة على مر العصور، بداية من أفلاطون Plato الفيلسوف اليوناني في عام 387 قبل الميلاد، الذي يرى أن المخ هو قاعدة العملية العقلية، بينما رأى رينيه ديكارت René Descartes عام 1637م، رأى أن البشر يولدون بأفكار فطرية داخلية، وهو صاحب مفهوم ثنائية الروح والجسد Mind-body Dualism أي أن الروح والجسد مادتان منفصلتان، واستمر الجدل الفلسفي حتى القرن التاسع عشر، وتساؤل أدى إلى نشوء مفهومين للتفكير. التجريبي Empiricism. هل الفكر الإنساني تجريبي بالأساس، أم فطري Nativism أي يولد الإنسان بمعرفة فطرية داخلية، من أبرز الأسماء التي التي تبنت الفكر التجريبي كل من (جون لوك John Locke) و (جورج بركلي George Berkeley)، وعلى الجانب الآخر- الفكر الفطري- (إيمانويل كانت Immanuel Kant).
مع استمرار المحاورات الفلسفية حدثت اكتشافات هامة في منتصف القرن الثامن عشر، كان لهذه الاكتشافات أثرًا واضحًا في تطور علم النفس المعرفي كعلم منهجي معترف به رسميًا، تلك الاكتشافات التي قام بها كلٍ من (بول بوركا Paul Broca) الذي اكتشف الجزء المسئول عن اللغة في المخ، و(كارل فرنيك Carl Wernicke) الذي اكتشف الجزء الذي يُعتقد أنه المسئول في المقام الأول عن فهم واستيعاب اللغة في المخ، وقد تم تسمية تلك الأجزاء نسبة إلى مكتشفيها، حتى أن أي شخص يعاني من صعوبات في الكلام أو فقدان القدرة على النطق نتيجة تعرضه لصدمةٍ ما أو ورم فإن حالته توصف بأحد هذين الاسمين Broca's aphasia and Wernicke's aphasia.
في منتصف القرن العشرين كان هناك عدد من الأحداث الهامة التي أثرت أيضًا بدورها في تطور علم النفس المعرفي. منها ما حدث خلال الحرب العالمية الثانية من تطور كبير في التكنولوجيا الحربية والأسلحة، الأمر الذي برز معه الحاجة لفهم أكبر للعمليات العقلية والأداء العقلي للإنسان في الظروف المختلفة خاصة الظروف العصيبة وتحت التهديد، وكيفية تدريب الجنود على التقنيات الحربية الجديدة ومسائل هامة كالانتباه والروح المعنوية للجنود، واختيار الجنود الملائمين لمهام عسكرية بعينها، وغيرها من المسائل المتعلقة بالفرد العسكري، ويرجع الفضل في هذه إنارة الطريق في هذه المسائل لما قدمته (المدرسة السلوكية Behaviorism) والعمل الذي قام به (دونالد برودبنت Donald Broadbent) كما أن التطور التقني في علم الحاسبات وكيفية التعامل مع المعلومات وتخزينها ومعالجتها واستعادتها، الأمر الذي أعطى فكرة مناظرة عن العقل البشري وكيفية تعامله أيضًا مع المعلومات بالمثل، وظهور مصطلح (الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence) الذي عكف عليه لسنوات كل من (ألن نويل Allen Newell) و(هربرت سايمون Herbert Simon) والأبحاث التي أجريت لاحقًا بالتعاون مع علماء علم النفس المعرفي متضمنة فكرة الذكاء الاصطناعي، تلك الأبحاث التي صاغت مفهومًا للوظائف العقلية مع نظيرتها الحاسوبية (الذاكرة، التخزين والاسترجاع).
ويرجع الفضل في مصطلح (علم النفس المعرفي Cognitive Psychology) إلى (أولرك نيسر Ulric Neisser) والمتعلق بفهم المصطلحات ذات الصلة والتي نُشرت في كتابه الذي يحمل نفس العنوان (Cognitive Psychology) الذي نشر في عام 1967 والذي يشرح فيه التطور المفهومي للعمليات المعرفية بشكل جيد وتعريف لمصطلح علم النفس المعرفي.
مصطلح (المعرفي Cognitive) يشير إلى جميع العمليات التي يتم من خلالها تحويل المدخلات الحسية، من حيث تخزينها، نقلها، تحليلها، استرجاعها واستعمالها في وقت لاحق سواء كان هناك مثير خارجي متعلق بها أو في غياب هذا المثير، أي حالات الهلوسة.
مصطلح (المعرفي Cognitive) يشير إلى جميع العمليات التي يتم من خلالها تحويل المدخلات الحسية، من حيث تخزينها، نقلها، تحليلها، استرجاعها واستعمالها في وقت لاحق سواء كان هناك مثير خارجي متعلق بها أو في غياب هذا المثير، أي حالات الهلوسة.
قد يبدو أن علم النفس المعرفي يهتم بكل الأفعال التي يقوم بها الإنسان، وأن أي ظاهرة نفسية تدخل في هذا النطاق، ولكن بالرغم من أن مجال علم النفس المعرفي يهتم بكل الأنشطة الإنسانية بدلاً من جزء منها، إلا أنه يهتم بها من منظور مختلف، بمعنى أن أي فرع من علم النفس يهتم بكل أوجه النشاط البشري بالفعل، ولكن لكل فرع وجهة نظر وأسلوب في التناول يختلف فرع آخر يهتم بنفس الأنشطة ولكن من منظور مختلف بدوره، مثال على ذلك، (علم النفس الديناميكي Dynamic psychology) يدرس الدوافع بدلاً من المدخل الحسي الذي يدرسه باحث علم النفس المعرفي، وبدلاً من السؤال عن كيف تنتج أفعال وخبرات الإنسان مما يراه ويسمعه ويعتقده ويتذكره، يكون سؤال باحث علم النفس الديناميكي عن الدوافع والأهداف والاحتياجات وغرائزه التي أنتجت هذه الأفعال.
جميل جدا أخ ياسر أن تربط لنا المعرفة بعلم النفس.
ردحذفشكرا على هذا الطرح الجميل والمفيد.
حسن بصنوي
أشكرك أخي حسن على مرورك وتعليقك
ردحذف